المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشعر الفصيح شعر التفعيلة و النثر درس 6


عطرالملائكة
06-22-2011, 12:55 PM
http://www.al-qatarya.org/qtr/qatarya_M1fpoPwnOs.gif




بين التفعيلة والإيقاع



تمثل أسئلة الموسيقى الشعرية مدخلا أساسيا لدراسة جانب
مهم من جوانب التجديد في بناء الشعر وتشكيله،




أما أهم هذه الأسئلة ، فهي:

س / لماذا الموسيقى؟
س / ما الموسيقى؟
س / كيف سارت ؟
س / إلى أين تتجه؟


ولما كان التراث العروضي مرجعا مهما لرواد التجديد الشعري ،
إيجابا كما سترى لدى شعراء التفعيلة ، وسلبا لدى رواد قصيدة النثر ،
أردت أن أجلِّي صورة هذا التراث حتى يكون الحوار معه والاختلاف حوله على بصيرة .




من غير تعصب له ، ولا ضده .
وقد حاولت أن أقدم أجوبة ليست – بطبيعة الحال – فاصلة ؛ لإدراكي
أن الكلمة الأخيرة في العلوم الإنسانية - وعلم الشعر منها- لمَّا تُقلْ.




وحسبي أن تمثل المحاولة اجتهادًا يثري الحوار، ويتقدم به خطوة في
قضية شاغلة للدرسين النقدي والعروضي




كما هي شاغلة للمثقف العربي بعامة الذي يرى الشعرعلى تعدد تجلياته،
وتنوع تشكيلاته جزءا حيًّا من نسيج ثقافته تذوقا له ، وتأثرابه.



س / لماذا الموسيقى؟

للموسيقى وقْعٌ جليٌّ في قضية التجديد الشعري ، فقد كانت، وما تزال ،
محور هذا التجديد، في مراحل عديدة في تاريخ الأدب العربي وحاضره،



وكانت أسئلة الموسيقى أبوابا للولوج إلى أشكال جديدة ،
إيجابا(بتحققها) : كالموشحات والمخمسات والرباعيات ،
والمواويل، والمزدوجات ،وصولا إلى الشعر الحر(التفعيلة)،
وسلبا (بغيابها) كما في قصيدة النثر(الإيقاع).



كما كانت أسئلتها أسبابا للخلاف ،الذي يصل في أحايينَ كثيرةٍ إلى درجة الصراع.
يقول الدكتور علي عشري زايد :


"كان أول ما لفت أنظار المتابعين لحركة التطور في القصيدة العربية المعاصرة
من مظاهر التجديد في بنية هذه القصيدة – وأبرز ما لفتهم –
هو شكلها الموسيقي ، حتى لقد نسبت حركة التجديد كلها إليه في البداية ".

والموسيقى عنصر من عناصر الشعر مهم، لكنه ليس العنصر الوحيد ؛


لأن الشعر في الأساس :

"صياغة وضرب من النسج وجنس من التصوير".


حتى العلماء الذين بالغوا في أهمية عنصر الوزن كابن رشيق القائل :

"الوزن أعظم أركان حد الشعر، وأولاها به خصوصية".

لا يرى له فضلا إذا لم تتحقق شروط الشعر الأخرى، فيقول:

"إنما سمي الشاعر شاعرا؛ لأنه يشعر بما لايشعر به غيره



. فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه أو استظراف لفظ وابتداعه ،
أو زيادة قيما أجحف فيه غيره من المعاني

، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ،

أو صرف معنى إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازا
لا حقيقة ولميكن له إلا فضل الوزن ، وليس بفضل عندي مع التقصير"



فانظر كيف فقد الوزن فضله حين قصر الشاعر في عناصر الشعر الجوهرية.





ولهذا لم يجعل القرطاجني الوزن من عناصر الشعر الضرورية ،
بل جعله من العناصر الأكيدة المستحبة ، وقدم عليه تخاييلا لأسلوب،





فقال :
"والتخاييل الضرورية هي تخاييل المعاني من جهة الألفاظ، والأكيدة
والمستحبة تخاييل اللفظ في نفسه وتخاييل الأسلوب وتخاييل الأوزان
والنظم،وآكد ذلك تخييل الأسلوب ".





أما القافية


فقد رأى بعض العلماء كالسكاكي أنها لاتلزم الشعر لكونه
شعرا بل لأمر عارض وإلا:
"فليس للتقفية معنى غير انتهاء الموزون ،
وأنه أمر لا بدَّ منه ، جارٍ من الموزون مجرى كونه
مسموعا ..فحقه ترك التعرض ".
بهذا ترى أن العلماء العرب لم يبالغوا في عنصري الوزن
والقافية فيبنا الشعر بالصورة التي يشيعها بعض الدارسين ،
مع إدراكهم لقيمتهما و تأثيرهما.






ويقول الدكتور مندور:

"نستطيع أن ننتهي إلى أن الموسيقى الشعرية تعتبرأحد المقاييس
الأساسية التي تميز فن الشعر عن فن النثر ، مع اعترافنا بأنها ليست
المقياس الوحيد بل يجب أن نجمع إليه مقاييس أخرى..فإذا اجتمعت للشعر
الموسيقى والمضمون الشعري وأسلوب التعبير اللغوي الشعري الطابع ،
استطعنا ارتكازا على هذه العناصر أن نميز بين الشعر والنثر".




الموسيقى ، والعروض :



وموسيقى الشعر - بداهة - أسبق من علم العروض ،
وقد عبر عن هذا صلاح الدين


الصفدي قائلا:
"إن العروض كان في الوجود بالقوَّة إلى أن أظهره الخليل بن أحمد،




كما قال القائل:
قدكان شعر الوَرَى صحيحاً من قبل أن يُخْلَقَ الخليلُ
فالعروض ما زال موجوداً،أخرجه الخليل إلى الوجود أم لا.
ولليونان شعرٌ أيضاً، ويسمُّون تقطيعه الأيدي والأرجل.





وقال الرئيس ابن سينا:
واضع النحو والعروض في العربيَّة يشبه واضع المنطق والموسيقى في اليونانيَّة"
ولهذا لم يكتف علماء البلاغة بهذا الحد بل قسموا الشعر خمسة أقسام، منها:




•مرقص : كقول أبي جعفر طلحة وزير سلطان الأندلس:
والشمس لا تشرب خمر الندى في الروض إلا من كؤوس الشقيق

•ومطرب : كقول زهير:

تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله
•ومتروك : وهو ما كان كلا على السمع والطبع كقول الشاعر:
تقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا قلاقل هم كلهن قلاقل".


ولعلك لاحظت أن التقسيم لا يراعي الوزن العروضي ،
فإنها كلها بما فيها المتروك مشتركة في هذا الحد الذي يقام به الوزن ،
بل يراعي إليه أدوات إبداعية أخرى كالتناسب والانسجام بين الحروف والكلمات




، والتصوير ، والذوق الفني.
فدل ذلك على أن الوزنَ ليس الموسيقا بل هو الحد الأدنىمنها.
ثم إن تحقيق عنصر الوزن لا يشفع للشعر حين يفتقد العناصر الفنية الأخرى ،
يقول القرطاجني : وأردأ الشعرما كان قبيح المحاكاة والهيئة ،
واضح الكذب خليا منالغرابة ، وما أجدر ما كان بهذه الصفة
ألا يسمى شعرا وإن كان موزونا مقفى".



عندما تحدث العلماء عن عمود الشعر العربي جعلوا الوزن في
المرتبة الأخيرة بعد تحقق شروط الشعر الأساسية ، كما يتجلى في تعريف المرزوقي :



"هو شرف المعنىوصحتة ، وجزالة اللفظ واستقامته،والإصابة في
الوصف (وهو التصوير) ، والتحام أجزاءالنظم والتئامها ، على تخير من لذيذ الوزن " .
قال:" وإنما قلنا على تخير من لذيذ الوزن لأن لذيذه يطرب الطبع
لإيقاعه ويمازجه بصفائه ، كما يطرب الفهم لصواب تركيبه واعتدال نظومه





ولذلك قال حسان:

تَغَنَّ في كُلِّ شِعرٍ أَنتَ قائِلُهُ إِنَّالغِناءَ لِهَذا الشِعرِ مِضمارُ
وأما القافية فيجب أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه
واللفظ بقسطه وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة"..




وبهذا تكتشف خطأ من ظن أن عمود الشعر يعني الوزن فقط. فالوزن
كما رأيت شرط واحد من شروط كثيرة يتحقق بها عمود الشعر العربي .



ولهذا أرى أن يكفَّ دعاة القطيعة مع التراث، عن اختزال التراث الشعري
العربي في هذا التعريف للشعر بأنه ( كلام موزون مقفى ذا ا لمعنى ) فحسب،



بالرغم من أنه تعريف غير مسلم به لدى العلماء العرب أنفسهم،
وحتى الذين تبنوه إنما كان ذلك على مستوى التعليم والتقعيد ،
حتى يشمل جيد الشعر و رديئه،



العروض والإيقاع:
وقد ربط العلماء العروضَ بالموسيقا ربطا واضحا ،



يقول السيوطي:

"إن أهل العروض مجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض
وصناعة الإيقاعإلا أن صناعة الإيقاع تقسيم الزمان بالنغم
وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروفالمسموعة"




اربط ابن طباطبا بين الوزن والإيقاع فقال :

" وللشعر الموزونإيقاع يَطرَبُ الفهمُ لصوابه ، ويرد عليه من حسن تركيبه
واعتدال أجزائه. فإذا اجتمعللفهم مع صحة وزن الشعر صحة المعنى
وعذوبة اللفظ فصفا مسموعه ، ومعقوله من الكدر تمقبوله له، واشتماله عليه،
وإن نقص جزء من أجزائه التي يعمل بها، وهي: اعتدال الوزن،وصواب المعنى،
وحسن الألفاظ، كان إنكار الفهم إياه على قدر نقصان أجزائه.
ومثال ذلك الغناء المطرب الذي يتضاعف له طرب مستعمه، المتفهم لمعناه".



ويرد الدكتورسعد مصلوح على من يزعم أن الوزن العروضي
خال من الإيقاع فيقول:"البحر نوع منالإيقاع لا مشاحة في ذلك ..
فهو بنية إيقاعية على كل حال".



ثم يصور العلاقة بين الوزن والإيقاع، قائلا:""
إن الوزن نوع والإيقاع جنس فكل وزن إيقاع ولاعكس".



وبدا ذلك لعلمائنا حين عرفوا علم العروض بأنه:
" علم يُبحث فيه عن أحوال الأوزان المعتبرة للشعر
العارضة للألفاظ والتراكيب العربية ،



وموضوعه الألفاظ العربية من حيث إنها معروض للإيقاعات
المعتبرة في البحور الستة عشر عند العرب ..؛



فعلى الأول يكون علم العروض من فروع الموسيقا ،
وعلى الثاني من فروع علم الشعر على مذهب المتأخرين ،
وغايته الاحتراز عن الخطأ في إيراد الكلام على الإيقاعات المعتبرة".
كما يتضح الربط في محور التعامل مع الشعر من حيث كونُه أصواتا




فإذا كان علم الموسيقى:

"موضوعه الصوت من جهة تأثيره في النفس باعتبار نظامه في طبقته وزمانه".
فإن علم العروض موضوعه أصداء الحروف – وفق تعريف الزمخشري -:

"وكيفية تقطيع الأبيات أن تَتَّبع اللفظ، وما يؤدّيه اللسان، من أصداء الحروف،
وتُنكّبَ عن اصطلاحات الخطّ جانباً " .


إن موسيقى الشعر تتعلق بالوزن والإيقاع معا ، فهي حصيلة التناسب بينهما ،
وقد التفت إلى هذا المعنى تعريف




الموسوعة العربية العالمية لموسيقى الشعر بأنها:

"تَعْنِي مراعاة التناسب في أبيات القصيدة بين الإيقاع والوزن،
بحيث تتساوى الأبيات في عدد المتحركات والسواكن المتوالية،
مساواة تحقق في القصيدة ما عرف بوحدة النغم ،



وهذه الموسيقى اتخذت معايير متعددة . منها ما يتصل بعروض الشعر وميزانه،
ومنها ما يتصل بقافيته ورويه ،وهذا يحقق إيقاع الشعر وموسيقاه".



وقد وفق هذا التعريف لموسيقى الشعر في الربط بين الوزن والإيقاع،
ولكنه أخطأ في مسألة تساوي الأبيات في الحركات والسكنات ؛
لأن في هذا إهدارا لقيمة العلل والزحافات في تنويع الوزن.



العروض ، وتجدد موسيقى الشعر:
رأى علماؤنا أوزان الشعر متجددةً متطورةً ، يقول الزمخشري :



" أُقدّمُ - بين يدي الخوض فيما أنا بصدده- مقدّمةً. وهي أنَّ بناء الشعر
العربي على الوزن المُخترعِ، الخارج عن بحور شعر العرب،
لا يَقدحُ في كونه شعراً عندَ بعضهم. وبعضُهم أبى ذلك، وزعم أنه
لا يكون شعراً حتى يُحامَى فيه وزن من أوزانهم".




فالباب مفتوح إذن لاختراع أوزان جديدة، خارجة عن
البحور الشعرية المعروفة.في رأي فريق من علماء العروض،
على رأسهم الخليل بن أحمد.



أما أصحاب المذهب الثاني فعبر عنهم
السكاكي قائلا :
"ومذهب الإمام أبي إسحاق الزجاج في الشعر هو :
أن لا بد من أن يكون الوزن من الأوزان التي عليها
أشعار العرب وإلا فلا يكون شعرا" .



ويتعقبه السكاكي قائلا:
ولا أدري أحدا تبعه في مذهبه هذا".
فدل ذلك على كثرة أنصارالمذهب الأول الذي يفتح باب التجديد في الأوزان،
بل والزيادة عليها باختراع أوزان جديدة.




احبتي الكرام خشية الاطالة و حبا في تحقق الافادة
و امعانا في الاسهاب نحو الحصول على اتم الصورة
و اشمل الطروحات الادبية في هذا المضمار الواسع القديم الجديد
نقف هنا على امل المتابعة في الدروس القادمة